أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

30

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

بذلك فقال : اجمعوني به ، فاجتمع به في الجامع يوم الجمعة ، فقال له : يا فقيه أرأيت لو أن رجلا جعلت له الدنيا خطوة واحدة أيباح له السفر في المخاوف أم لا ؟ فقال له : من كان بهذا الحال فخارج عن الفتوى ، فقال الشيخ : أنا باللّه الذي لا إله إلا هو ممن جعلت له الدنيا خطوة واحدة ، فإذا رأيت ما يخوف الناس أتخطى بهم حيث آمن ، ولا بدّ لك ولي من المقام بين يدي اللّه عزّ وجل ، وتسألني عن حقيقة ما قلت . وسافر رضي اللّه عنه فظهر له في الطريق كرامات : فمنها أن اللصوص كانوا يأتون إلى الركب بالليل ، فإذا دخلوا وسط الركب يجدون عليه سورا مبنيا ولا يستطيعون الخروج كأنها مدينة مبنية ، وإذا أصبحوا يأتون الشيخ ويتوبون إلى اللّه تعالى . قال : فلما رجع وخرج المشاة إلى القاهرة خرج الفقيه القاضي إلى لقائهم بالبركة ، فحدثه الناس بما رأوا من مواهب اللّه تعالى ، فلما دخلوا أتى الشيخ عز الدين القاضي لزيارة الشيخ ، فقال له : يا فقيه واللّه لولا تأدبي مع جدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأخذت الركب يوم عرفة وتخطيت بهم إلى عرفات ، فقال المفتي : آمنت باللّه فقال الشيخ رضي اللّه عنه : يا فقيه عز الدين انظر إلى حقيقة ذلك وأشار بيده المباركة إلى القبلة ، فنظر كل من حضر في تلك الساعة إلى الكعبة الشريفة حتى ضجّ الناس ، فحطّ القاضي رأسه بين يديه وقال له : يا سيدي أنت شيخي من هذه الساعة ، فقال له الشيخ : أنت أخي إن شاء اللّه تعالى ، رضي اللّه عنهم أجمعين . قال : وحدثني الشيخ أبو العزائم ماضي قال : تحدث الشيخ يوما في حقيقة الشيخ مع أصحابه فقال : إنه تكون يده عليهم تحفظهم أينما كانوا غائبين أو حاضرين . قال الشيخ أبو العزائم : فاعترضت عليه ذلك في نفسي وقلت : لا يكون ذلك إلا للّه عزّ وجل ، ففي حضرته يمكن وأما في الغيبة فلا ينبغي إلا للّه عزّ وجل ، فلما أصبح اللّه بخير الصباح أخذتني ضيقة في نفسي فخرجت بخارج الإسكندرية وجلست على ساحل البحر النهار كله ، فلما صليت العصر أدخلت رأسي في طوقي وجلست ، فبينما أنا كذلك وإذا بيد تحركني فظننت أنه بعض الفقراء يمازحني ، فأخرجت رأسي فوجدت امرأة حسناء عليها لباس حسن وحلي فقلت لها : ما تريدين ؟ قالت : أنت ، فقلت : أعوذ باللّه منك ، فقالت : واللّه ما لي عنك براح ، فدافعتها عن نفسي فأخذتني في حضنها ولعبت بي كما يلعب بالعصفور ؛ وما ملكت من نفسي شيئا ، ورمتني بين فخذيها فحنّت نفسي إليها ، وإذا بيد أخذتني من أطواقي فإذا هو الشيخ رضي اللّه عنه ، فقال لي : يا ماضي ما هذا الذي تقع فيه ورماني عنها ، فظننت لما بعد أني خررت من السماء فقمت ورفعت نفسي فما وجدت الشيخ ولا وجدت المرأة ، فعجبت من ذلك